صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

265

تفسير القرآن الكريم

في طباعنا بالقوة ، بما يظهره من الشواهد ، ويخرجه إلى الفعل من الوقائع والحوادث والتكاليف الشاقّة ، بحيث يترتب عليه الثواب والعقاب ، فإنها ثمرات ولوازم وتبعات وعوارض لأمور موجودة فينا بالقوة ، فإذا لم يصدر عنا مباديها 173 في الدنيا لم تخرج هي إلى الفعل في العقبى 174 ، فكما إن المثوبات الأخروية ليست بقصد وإرادة جزافية واقعة من الحق المقدس من النقص والشين ، والتفات حاصل من العالي بالقياس إلى السافل ، بل من باب الاستجرار ونظم الأسباب وترتيب المسببات عليها بحكمة المدبر العليم ، وإرادة الصانع الحكيم ، الذي له الملك والملكوت ، وبذاته التامة الفاعلية يفيض الأشياء ويخلق ما يشاء من غير مصلحة زائدة وإرادة متجددة ، فكذلك العقوبات الإلهية والتعذيبات الأخروية ليست من باب الانتقام من فاعل يحدث فيه انفعال غضبي ينتقم لأجل التشفّي والتخلّص من حرقه الغضب وشدة اللهب ، بل النفس الشقية العاصية إنما هي حمّالة حطب نيرانها لسوء أفعالها وردائة أخلاقها ، كمن به مرض أدّت نهمته السابقة إلى المحن الشديدة والأوجاع والآلام على سبيل اللزوم والانجرار ، لا لمنتقم خارجي ، فكيف يحصل الأسباب 175 والمقدمات لشيء ولا يحصل ثمراتها وتبعاتها التي هي عوارضها ولوازمها ، والجميع معلومة للّه تعالى 176 قبل وجودها ومعه 177 وبعده من غير تغيّر في ذاته ولا في صفاته ، بل باعتبار تجدد الأشياء 178 وتعاقبها في مرتبة حضورها وشهودها التجددي ، الذي هو أخيرة مراتب علمه بالأشياء ، التي هي عين الأشياء . فقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ 47 / 31 ] وأمثالها معناه : نعلمهم موصوفين بهذه الصفة 179 بحيث يترتب عليها الجزاء ، وأما قبل ذلك الابتلاء فإنه علمهم مستعدين للمجاهدة والصبر ، صائرين إليها بعد حين . فإن رجعت وقلت إذا كانت الأسباب والمقدمات - وبالجملة الفضائل والرذائل ، والطاعات والمعاصي ، والخيرات والشرور - كلها مقدرة مكتوبة علينا قبل صدورها منا ، معجونة فينا مربوطة بأوقاتها ، فما بالنا لا نتساوي في الفضيلة